أخبار وطنية، الرئيسية

محمد بازة، الخبير الدولي في الموارد المائية يحذر من تكرار سيناريو سوس-ماسة بمنطقة الغرب

ما من مهتم بقضية الفلاحة بشكل عام والمياه والبيئة بشكل خاص، إلا و يعرف جيدا ما حدث في سوس ماسة، وخارجها في منطقة أكادير. في البداية كان هناك اكتساح لزراعة الموز منذ النصف الثاني من السبعينيات، ثم البستنة السوقية، ثم الفواكه الحمراء، وما إلى ذلك، كل هذا أدى إلى توسع غير متناسب في المساحة المسقية، التي تم هجر معظمها اليوم بسبب نقص المياه. كانت هناك خطط للري وضعها المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي، لكن تم التوسع في الري بشكل فوضوي. كانت هناك خطط لاستخدام المياه السطحية والجوفية، لكن ما حدث على الأرض، خاصة فيما يتعلق بالضخ، كان أكبر بكثير مما يجب أخذه. وبعد مرور أربعين إلى خمسين عامًا، ظهرت النتيجة.

سهل الغرب الكبير يتقاطع معه واد سبو ويمتد على مساحة تقدر بحوالي 4000 كيلومتر مربع. وهي مساحة منبسطة جداً، ومنخفضة الارتفاع، ما بين 4 و25 متراً. تشهد المنطقة الساحلية الممتدة بين سلا والحد الشمالي لحوض سبو تحولا كبيرا من الناحية البيئية الطبيعية. ويتعلق هذا التحول على وجه الخصوص بالشريط الساحلي الممتد إلى شرق الطريق السيار الرباط- طنجة ويتعلق أساسا بإقامة مزارع لأشجار الأفوكادو المسقية بالمياه الجوفية، من خلال استبدال المحاصيل التي كانت مسقية من قبل، أو قبل كل شيء كبديل لمزارع الاكلبتوس والغابات الطبيعية وعلى أراضي البور.

ويستمر هذا التحول اليوم بوتيرة كبيرة. وعلى حد علمي، لم يكن الأمر موضوع دراسة سابقة معلنة، لكنني أبدي وجهة نظري في هذا الصدد، خاصة فيما يتعلق بالموارد المائية. تحليلي يرتكز على زيارة ميدانية لمنطقة الغرب قمت بها في شتنبر 2023 وبحث موجز عن معلومات بهدف تحديث البيانات حول الموضوع. كما أستخدم أيضًا خبرتي الميدانية ومعرفتي بالمواقف المماثلة التي لاحظتها في بلدان أخرى.

تعرض هذه المذكرة عوامل الخطر المرتبطة باستغلال الموارد المائية في المنطقة المعنية بالإضافة إلى العواقب الرئيسية التي يمكن أن تنجم عن ذلك.

أولا. هناك ثلاثة عوامل الخطر مرتبطة بالموارد المائية

1.آثار تغير المناخ: من المتوقع أن تكون المنطقة الشمالية الغربية من المغرب، التي كانت حتى الآن بمنأى نسبيا عن تأثيرات تغير المناخ، أكثر تأثرا على الأقل بقدر بقية البلاد في السنوات المقبلة. في الواقع، وإلى جانب زيادة الجفاف ودرجات الحرارة، يُتوقع أيضًا انخفاض في هطول الأمطار وإمدادات المياه.

2. تعبئة المياه السطحية والتحويلات بين الأحواض المائية: يتم بناء سد الرتبة الذي يعد ثاني أكبر سد في البلاد (سعة 1.9 مليار م3) على أحد روافد وادي ورغة الذي يوجد عليه، هو أيضا، أكبر سد (الوحدة بسعة 3.8 مليار م3). فعدد السدود على نهر سبو وروافده وسعتها تجعل من غير الممكن وقوع أي فيضانات في منطقة الغرب تقريبًا. كما أن تحويل المياه لتزويد مناطق أخرى بمياه الشرب سيؤدي إلى تخفيض مياه الري المخصصة لمنطقة الغرب. وبالتالي، فإن الجفاف وانخفاض مخصصات المياه سيؤدي، من بين آثار أخرى، إلى زيادة الضغط على المياه الجوفية والتحول من الري السطحي إلى الري الموضعي.

3. طبيعة وخصائص الطبقات الجوفية: المنطقة غنية بالمياه الجوفية، مع وجود طبقات مياه جوفية كبيرة، أبرزها طبقة المعمورة، ونظام الغرب وامتداده إلى لمناصرة، ونظام الدرادروالسوير. وجميع هذه الطبقات الجوفية متاخمة للبحر ومياهها ذات نوعية جيدة، عدا منسوب مياه طبقة الغرب الذي يعتبر مائلاً للملوحة نسبياً، والتلوث الزراعي الذي وصل إلى الأماكن المسقية منذ فترة، وأبرزها لمناصرة. كما تخضع جميع الطبقات لسحب كميات كبيرة من مياهها، ورصيدها أصبح سلبيا باستثناء نظام الدرادروالسوير الذي يعتبر أكثر أو أقل توازنا.

وتمتد طبقة المعمورة الحرة على مساحة 1500 كيلومتر مربع تقريباً ويتراوح عمقها بين 20 و40 متراً ويمكن أن يتجاوز محلياً 80 متراً. كما أن ملوحتها عالية على طول الساحل بسبب تكثيف الضخ، وتتم تغذيتها فقط من خلال هطول الأمطار التي يبلغ متوسطها السنوي حوالي 500 ملم مع اتجاه تنازلي بسبب تغير المناخ. وتشهد هذه الطبقة الجوفية عمليات سحب كبيرة لتوفير مياه الشرب وري حوالي 10000 هكتار. ويتراوح ارتفاع منطقة المعمورة من 250 مترا في الجنوب الشرقي إلى أقل من 30 مترا في الشمال الغربي.

يشتمل نظام طبقة المياه الجوفية للغرب على طبقة مياه جوفية سطحية حرة وطبقة مياه جوفية عميقة شبه محصورة. وبحسب وكالة الحوض المائي لسبو، تتراوح أعماق منسوب المياه بشكل عام بين 4 و8 أمتار؛ ولكنها أقل من 2 متر في معظم المناطق الساحلية، وبين 2 و5 أمتار في أماكن أخرى. تتم إعادة تغذية طبقة المياه الجوفية عن طريق الأمطار والتدفقات الجوفية من طبقة المياه الجوفية في المعمورة والتسرب من وادي ورغة وسبو وفقدان مياه الري. وتتكون المخرجات من التدفق نحو المحيط، ومن خلال عمليات السحب لتوفير مياه الشرب والزراعة.

وتمتد طبقة لمناصرة الجوفية، وهي جزء من مجمع الغرب، على مساحة 500 كيلومتر مربع تقريباً، وطول يصل إلى 60 كيلومتراً تقريباً. المنطقة مكتظة بالسكان ونادرا ما يتجاوز ارتفاعها 60 مترا. وتتراوح قوة الطبقة الجوفية العلوية من 20 إلى 100 متر. وهي عبارة عن طبقة مياه جوفية تحت الضغط الجوي العادي يغديها تسرب مياه الأمطار، ومياهها ضحلة تتراوح ما بين 2 إلى 3 أمتار عن سطح الأرض.

أدى استبدال الزراعات المعيشية بالبستنة التجارية خلال الثمانينات إلى انخفاض عام في مستوى سطح المياه الجوفية يصل الى ما بين 2 و 4 متر سنوياً. وعلى نحو مماثل، تحول حجم المياه المتدفقة من طبقة المياه الجوفية باتجاه المحيط من 18 مليون متر مكعب في عام 1992 إلى 4 ملايين متر مكعب في عام 2006. وقد أبرزت دراسة حديثة انعكاساً في سير المياه، التي أصبحت الآن تتجه من البحر نحو الداخل، بسبب الضخ المفرط. وبحسب هذه الدراسة، فمنذ أكثر من عشر سنوات، “امتدت المياه المالحة إلى مسافة 11 كيلومتراً داخلياً في الجزء الجنوبي من الطبقة الجوفية. ويبلغ عمق هذه المياه عدة عشرات من الأمتار، لكن الواجهة الفاصلة بين المياه العذبة والمياه المالحة قد تكون ترتفع بسرعة بين 2 و 3 متر في السنة.

يقع نظام الدرادروالسوير إلى أقصى الشمال من حوض سبو، عند حدوده مع حوض لوكوس. تبلغ مساحته حوالي 600 كيلومتر مربع، ويتكون من طبقتين: طبقة مياه حرة، والطبقة الثانية عميقة وارتوازية. ويتراوح عمق المياه بشكل عام بين 5 و 10 أمتار. الجودة الكيميائية لمياه الدرادروالسوير ممتازة بشكل عام، مع بقايا جافة أقل من 0.5 جم / لتر، ورصيدها متوازن إلى حد ما، وفقا لـ وكالة الحوض المائي لسبو . أما الارتفاع فوق مستوى سطح البحر فهو يتجاوز ارتفاع لمناصرة في كل مكان تقريبًا.

وينبغي التأكيد على أن بعض عوامل الخطر السالفة الذكر لا يمكن السيطرة عليها من قبل البشر، وبالتالي يجب أن تؤخذ على محمل الجد.

ثانيا. الخطر الرئيسي الذي يمثله تعميم التسلل البحري

إن طبقات المياه الجوفية الكبيرة المذكورة أعلاه تكونت منذ زمن طويل بفضل الهطولات والفيضانات المباشرة، وقد حدث توازن هش عند الواجهة بينها وبين البحر بفضل اختلاف الكثافات. وعلى مستوى كل واجهة، يتم الحفاظ على هذا التوازن ما دامت الأرصدة بين عمليات التغذية والسحب صفراً أو موجبة، مع تدفق المياه العذبة الزائدة إلى البحر، وتنكسر خلاف ذلك، مع التسلل البحري للمياه الجوفية. ويبدأ هذا التسلل عمومًا من العمق (عند أدنى مستوى من السطح البيني). ويسمى الجزء من طبقة المياه الجوفية الذي تغزوه المياه المالحة “إسفين الملح”، حيث تدخل المياه البحرية تحت المياه العذبة، مما يستثني الآبار التي تكون أعماقها مخفضة. لكن الضخ المفرط يؤدي إلى ارتفاع المياه المالحة لتعويض العجز في المياه العذبة.

وبعد انخفاض الفيضانات الناجمة عن السدود، أصبح هطول الأمطار المباشر وترسب خسائر الري السطحي التقليدي المصدرين الرئيسيين لتغذية المياه الجوفية. وكانت معدلات الضخ من المياه الجوفية منخفضة ومقتصرة على مناطق معينة من الساحل، أبرزها منطقة لمناصرة والمناطق الساحلية لنظام الدرادروالسوير وقد بدأ التسلل البحري في هذه المناطق منذ حوالي ثلاثين عاماً أو أكثر، ثم مع زيادة الطلب على المياه والسحب منها في السنوات الأخيرة، انتشر التسلل إلى كافة طبقات المياه الجوفية. وبحسب مختصين مطلعين على المنطقة، فإن هذا التسلل واضح اليوم وأصبح متطورا جدا في العمق. وتتوافق هذه الاستنتاجات مع الموازين المائية لهذه الطبقات المائية التي هي سلبية كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ولهذا، لا يجب فقط حظر أي زيادة في عمليات السحب من هذه الطبقات الجوفية بشكل صارم، بل يجب أيضا بذل جهد لاسترجاع موازنة أرصدتها بهدف تقليل التسللات البحرية تدريجياً.

ومع انتشار التسلل البحري فإن مياه الآبار التي يصل عمقها إلى مستوى سطح البحر أو يتجاوزه سوف تصبح مالحة، وتتأثر المنطقة الجغرافية الكائنة فوق الطبقات الجوفية المذكورة بشكل مختلف حسب الارتفاع النسبي عن سطح البحر. فالأماكن ذات الارتفاعات المنخفضة أقل من 4 -5 أمتار، ستكون أول من يتأثر، خاصة إذا كانت بها اشجار. وتتجرد تدريجيًا من جميع النباتات، وبالتالي من كل أشكال الحياة، ثم تُغطى بتربة مسحوقية رمادية، كما هو موضح في الصورة أدناه لبستان نخيل يقع على طبقة مياه جوفية ساحلية واسعة غزتها مياه البحر بالكامل بسبب الاستغلال المفرط لها في سلطنة عمان (انظر الملحق).

ثالثا. الخاتمة

في الحالة التي لدينا هنا – التسلل البحري، يعد الخطر مؤكدا نظراً لكثرة عوامله، ومعظمها منطقية وواضحة علمياً. كما يعد العدد الكبير من العوامل مؤشرا آخر على قرب وقوع الخطر، وكذلك التفاعل بين العوامل والممارسات الموصى بها. على سبيل المثال، يوصى بشدة بالتحول من الري السطحي التقليدي إلى الري الموضعي لتوفير المياه واستعادتها، وهو أمر يتم اعتماده بشكل متزايد في المنطقة, وهو أمر منطقي. ومع ذلك، فهو يشكل أحد أهم عوامل الخطر، لأنه يقلل بشكل كبير من فاقد مياه الري، وبالتالي يقلل أحد المصادر الرئيسية لإعادة تغذية هذه الطبقات الجوفية. ولذلك فمن الضروري أن يؤخذ هذا الانخفاض في التغذية في الاعتبار في أرصدة المياه الجوفية، بنفس الطريقة التي يتم بها انخفاض هطول الأمطار والفيضانات.

وإذا استمرت هذه العوامل واستمرت اتجاهاتها الحالية، فإن التملح على نطاق واسع في كل طبقات المياه الجوفية هذه ــ وما قد يترتب على ذلك من كارثة إيكولوجية ــ لن يكون سوى مسألة وقت. كارثة إيكولوجية لا رجعة فيها، بكل ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمنطقة الواقعة فوق هذه الطبقات الجوفية. وهي عواقب أكثر تدميرا بكثير مما حدث نتيجة استنزاف المياه الجوفية بسوس ماسة.ولكن يمكن تجنب هذا الخطر. يمكن تجنب ذلك من خلال العمل على العوامل التي يمكن السيطرة عليها، بهدف تجنب زيادة العجز بين تدفقات المياه الداخلة والخارجة من طبقات المياه الجوفية هذه. دون أن ننسى ضمان حماية نوعية مواردها المائية. ولكن يتعين علينا بالتأكيد أن نتحرك في أسرع وقت ممكن، لأنه كلما زاد تسرب المياه المالحة من حيث الحجم وتقدم في منسوب المياه الجوفية، كلما أصبح الأمر غير قابل للإصلاح. والأسوأ من ذلك فأن السحب المفرط للمياه بعيدا عن السواحل يخلق تدرجات حمولة تعمل على تسريع نقل مياه البحر إلى الداخل. ومن هنا ضرورة التحرك دون تأخير.

خلال زيارتي في شتنبر الماضي، لاحظت، من بين أمور أخرى، النقاط التالية: 1) من الصعب للغاية تحديد المساحة المزروعة بأشجار الأفوكادو، دون قياسات منهجية أو صور الأقمار الصناعية، لأن المزارع متناثرة ومحاطة بأسوار عالية وأغلبها مخبأة داخل الغابات؛ 2) معظم المزارع لم تصل بعد إلى العمر الأمثل، وبالتالي سوف يزيد استهلاكها للمياه، بالإضافة إلى احتياجات المزارع التي يتم إنشاؤها حاليا أو التي ستنشأ لاحقا.

أخبرني مؤخرًا صديق ومنتج زراعي وخبير لدى مزارعين آخرين، على دراية بممارسات زراعة الأفوكادو في المغرب، خلال تبادل حول الاحتياجات المائية للأفوكادو، قائلا: “لا تقتصر احتياجات الأفوكادو على احتياجات التبخر والنتح ولكن أيضًا على نظام التغشية المثبت في الهواء الطلق على آلاف الهكتارات من أجل خفض درجات الحرارة لموجة الحر من 48 إلى 30 درجة مئوية.”

وبالتالي، إذا لم يؤخذ هذا الخطر على محمل الجد، فإن مستقبل طبقات المياه الجوفية المعنية – التي، كما نتذكر، تعاني بالفعل من العجز وتخضع لتسلل بحري متطور إلى حد ما – يصبح واضحا للغاية.

وفي الختام، فإن هذه المذكرة هي بمثابة دعوة للمسؤولين للتحرك حتى لا يلقوا اللوم في وقوع هذه الكارثة مستقبلا فقط على الجفاف وتغير المناخ. لا يزال من الممكن تجنب هذه الكارثة إذا تصرفنا بشكل صحيح وفوري. وهذا التنبيه شخصي ويستند حصرا إلى معرفتي العلمية المتواضعة والمعلومات التي تمكنت من جمعها ميدانيا ووثائقيا، في المغرب وخارجه. إن صرخة الإنذار هذه ليست موجهة ضد أي شخص أو أي مؤسسة أو منظمة. في الواقع، دافعي الوحيد هو الحفاظ على المصلحة الوطنية، لأنه إذا لم نتخذ إجراءات الطوارئ اللازمة، فإننا نخاطر بالتعرض لكارثة ايكولوجية كنت قد عاينت مثلها في سلطنة عمان عام 2007.

محمد بازة، خبير دولي في الموارد المائية

ترجمة : هشام ناصر

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *