الرئيسية، سياسة، مجتمع

خلاف الإسلاميين واليساريين حول المدونة يعيد سيناريو المسيرات إلى الواجهة.

تعيش الساحة الوطنية، خلال الأيام الأخيرة، على إيقاع خلافات حادة بين التيارين الإسلامي واليساري بسبب تباين وجهات نظرهما حول إصلاح مدونة الأسرة؛ الأمر دفع عبد الإله بنكيران، زعيم التيار الإسلامي، إلى التلويح بالخروج إلى الشارع وتنظيم مسيرة مليونية ضد أية تعديلات مخالفة للشريعة والدين.

وعقب هذه المواجهة الساخنة وتبادل الاتهامات بين الطرفين المتباينة وجهات نظرهما وتصورهما للأسرة في القرن الـ21، بدأ البعض يشبه ما يجري من تقاطب حاد في الوقت الراهن بما جرى إبان طرح الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية مع حكومة التناوب التوافقي من استعراض للقوة والاستعراض في الشارع العام.

فهل يتكرر سيناريو إخراج المدونة عقدين في تعديلها المنتظر؟ سؤال بات يطرح نفسه بقوة في ظل الاستقطاب المتنامي بين التيارين، إلا أن عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة الحسن الأول بسطات، يعتقد أن هناك “مسارا مؤسساتيا لتعديل مدونة الأسرة إلى حدود الساعة، والأمور في إطارها المحدد في خطاب الملك أمير المؤمنين”.

وأضاف اليونسي مبينا، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هناك، أيضا، “مقاربة تشاورية استشارية استمعت فيها الهيئة لوجهات نظر في التعديل مختلفة، وأيضا متناقضة تماما”، حسب تعبيره.

وأفاد الأستاذ الجامعي المتخصص في القانون الدستوري والعلوم السياسية بأن “نقاشا سياسيا في مرحلة صياغة التعديلات مترقبا الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة”، معتبرا أن هذا النقاش “عادي وصحي، المهم هو أن يكون النص في صالح الأسرة ويبدع في توفيق المغاربة دائما بين مرجعيتهم الإسلامية وبين مستجدات الواقع”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن النقاش السياسي قد يكون “منتجا لتحركات على مستوى الشارع في إطار موازين قوى إذا اختلت لصالح من يتحكم اليوم في مسار صياغة القرار”، لافتا إلى أن موضوع الأسرة والمرأة والطفولة “كان، منذ أن عرفت المنطقة العربية الإسلامية الدولة الحديثة، مثار نقاش وسجال”.

واستدرك اليونسي قائلا: “لكن حضور العامل الخارجي في التأثير على القوانين والسياسات العمومية هو موجود بحكم عضوية المغرب في مجموعة من المؤسسات والآليات الدولية التي تحتم عليه في إطار سيادته أن يأخذ بعين الاعتبار ملاحظات هذه المؤسسات؛ لأن لها استحقاقات مرتبطة بما هو مالي، وأحيانا ما هو سيادي”، وفق تعبيره.

وخلص أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة الحسن الأول بسطات، ضمن التصريح ذاته، إلى أن مدونة الأسرة في المحصلة “ليست نصا عاديا، بل نص قانوني معياري يحاول أن يقنن مجالا هو بطبيعته غني ومركب ومعقد وفيه الحالات الخاصة المستجدة”.

من جهته، اعتبر المحلل السياسي إدريس قسيم أن الإسلاميين بصفة عامة “يعتبرون الأسرة من أدوات التعريف الرئيسية بإيديولوجيتهم، والحصن الأخير وواجهة رئيسية للحفاظ على مرجعية وهوية الدولة”.

وأكد قسيم، في تصريح لهسبريس، أن ما يصدر عن الإسلاميين في هذا المجال “يرتبط بالمرجعية والهوية. ولذلك، فإن غالبية ردود أفعالهم تكون قوية جدا؛ وهذا ظهر بشكل كبير من خلال التصريحات التي صدرت، سواء عن عبد الإله بنكيران أو بيانات الأمانة العامة لـ”البيجيدي” أو منتدى الزهراء أو حركة التوحيد والإصلاح”.

ولفت الخبير ذاته إلى أن الإسلاميين في بداية النقاش حذروا من أن الخروج عن التوافق الذي تحدث عنه “صاحب الجلالة من شأنه أن يضر المجتمع، ودائما ما يتم استدعاء العبارة الشهيرة لن أحل حراما ولن أحرم حلالا”، مؤكدا أن التيار اليساري نفسه “تحدث واستعمل مصطلحات من قبيل الظلامية والرجعية، وهذا يحيل على المجتمع الحداثي الديمقراطي حول إصلاح مدونة الأسرة”.

وأشار قسيم إلى أن المغرب كان أمام مرحلة استباقية في البداية قبل أن تتراجع “حدة النقاش نوعا ما مع بداية أشغال الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، ومؤخرا بعد موقف عضو المجلس العلمي الأعلى بدا أن هناك نوعا من الحذر والريبة، لتتم مرة أخرى الإحالة إلى نقاش المرجعية والهوية”.

وحذر المحلل السياسي عينه من أنه “إذا لم يتم تأطير هذا النقاش والتوجهات الأولى التي تم الإعلان عنها في بيان الديوان الملكي بأن الإصلاح سيركز على الإكراهات التطبيقية والقضائية التي وقعت، فأعتقد أننا سنعود إلى حالة من الاستقطاب، خصوصا أن التيارين الإسلامي واليساري يعتبر الانحياز إلى طرحه في مسألة الأسرة والمرأة بشكل عام جزء من تعريفه وجزء من مشروعه السياسي والمجتمعي بشكل عام”.

واستبعد قسيم الخروج إلى الشارع أو التظاهر فيه، حيث قال: “لا أعتقد أن الأمر قد يصل إلى مستوى النزول إلى الشارع، وعدد من القيادات العاقلة في العدالة والتنمية والتوحيد والإصلاح أشارت إلى أن السياق الحالي يختلف عن السياق الذي ميز الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية خلال 1999”.

واستدرك المتحدث ذاته: “لكن هذا لا يعني أنه في إطار هذا التدافع والاستقطاب قد لا يتم التلويح بهذا الأمر، وإن كان مستبعدا فهو ليس مستحيلا أو ملغيا”، لافتا إلى أنه “قد يلجأ إليه، خصوصا أن هذه الورقة هي آخر الحصون أو الرهانات التي يمكن يلجأ إليها بعد التراجع السياسي الكبير الذي يعيشه بعد انتخابات 2021”.

وشدد قسيم على أن رفع سقف الخطاب و”التهديد قد يعيد حزب العدالة والتنمية إلى واجهة النقاش السياسي العام”، معتبرا أن البعد السياسي “لا يمكن إلغاؤه في هذا الأمر، ولا يمكن أن نقول إن هذا النقاش مرتبط بما هو قانوني وقضائي. بالعكس، الاعتبارات السياسية حاضرة بشكل عام، سواء بالنسبة إلى الإسلاميين أم بالنسبة إلى اليساريين”، حسب تعبيره

(عن هسبريس- عبد الله التجاني)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *