أكادير والجهة، الرئيسية، ثقافة وفنون

معرض الحدود والعبور حول الفن الراهن  Borders Frontières للفنان المغربي رشيد فاسح

بعد توقف طويل يعود الفنان المغربي رشيد فاسح ليعرض آخر ابداعاته حول مفهوم (الحدود والعبور) الذي تضمن 20 عملا متنوعا برواق المركب الثقافي محمد خير الدين ضمن فعاليات المهرجان الدولي حول السينما والهجرة في يونيو الحالي .2022

هو نتاج مشروع فني  وجمالي  للفنان رشيد فاسح امتد لنحو ثلاث سنوات، شكلت فترة الحجر الصحي ووباء كورنا فرصة كبيرة لمختبر تجارب تشكيلية مهمة في أعمال هذا المشروع الفني والجمالي الجديد، يعتبر بدون ادنى شك أسلوب  فني مدمر وفريد من نوعه، يمتح من تجربته الفنية الطويلة وتكوينه  الفني الطويل الذي يمتد لأزيد من 32 سنة ، والأكاديمي في علم الاجتماع، ونظرته التأثرية والبنائية لصراعات المفهوم والموضوع، وصيغ المعالجة التشكيلية، ليطرح بالتالي مفارقات وتشنجات مفاهيمية ومادية تتمحور حول مفهوم جمالي واستطيقي يتعلق بمفهوم:( الحدود LES FRONTIERES )، الذي اختاره كغطاء محيط لتجربة استطيقية مستفحلة في نظامنا الذهني والفكري والتمثلي ووجهات نظرنا الصاخبة حوله. 

     يقول الفنان رشيد فاسح: انتم الآن بحضرة معرض جماعي لفنان واحد، فمربحا بكم في أول تدمير حقيقي لمفهوم (الحدود)، لقد كنت ملزما أن أبداء أنا الأول في تكسير متاريس التناول التشكيلي لمفهوم الحدود والعبور والهجرة نحو فضاءات ارحب للإبداع، وغير ذلك سأكون سجينا لنظرة ضيقة وأسلوب واحد رتيب وروتيني لماهية العمل الفني، ففي الفن الحداثي والفن الراهن، علينا التخلص من جلباب الأسلوب والتقنية مادامت كل المواد والأدوات والخامات والتعابير تسمح لنا بنقل سريع للأفكار، ووجهات النظر الاستيطيقية  التي نريد ايصالها عبر الفن والابداع  في صالات العرض، إن تلك المتاريس والحواجز والخطوط الحمراء او السوداء في تاريخ البشرية التي رسمها الانسان في ذهنه قبل اسقاطها بعوامل الثقافة والدين والسياسة ، والتي تحتل حيزا كبيرا في  أنماط ثقافته وفكره، هي  ما أحاول جاهدا عبر الفن والتشكيل تفكيك متاريسها وتردداتها المتتالية وإعادة قراءتها في توليفة تشكيلية، ولفت الانتباه الفكري والنظري الى كونيتنا وانسانيتنا في تشكل العالم خارج الآناء…

بل  يجب أن تكون لنا القدرة على السفر الحر خارج الجسد والحدود الوهمية التي نبنيها عبر نمونا ثقافيا بشكل عام، وبالتالي خارج التفكير المنمط بأشكال ثقافية وأثنية محدودة، والقدرة على التحرك والمشي والترحال في مجالات الوعي والادراك والمادة والزمن والفضاء، لاكتشاف أنفسنا قبل ان نعكس ذلك على أعمالنا وسلوكاتنا كبشر. 

    يجب ان ننتصر لإنسانيتنا بعدل بشري لا يقبل التمايز. فالفنون بأنواعها لها القدرة على السفر خارج الحدود أو مركبات نقص أو تمييز اثني او ثقافي الذي يرتوي من أحكام مسبقة تغذيها وسائل الاعلام، والساسة، وملوك التجارة الثقافية العالمة المسيطرة.

كان يجب على السفر والترحال واقتفاء آثار العابرين والبحث فيما وراء الاكتشاف، لاستشعار أنماط جديدة للجمال وهذا هو سر اختلافاتنا، بل يجب أن نلقي بأفكارنا المسبقة عن المجتمعات البشرية في سلة مهملات ونتخلص منها، ونفسح المجال للذوق وتذوق أدنى الأشياء، لأننا ننتصر للإنسان كقيمة وللطبيعة والفضاء كقوة قاهرة مؤثرة أساسا في هذا الجمال.  

   لذلك فالعمل التشكيلي الحالي الذي يزعزع استقرارنا ويحرك السؤال فينا، لم يعد من الممكن إستقباله كما كان في الماضي مدمجا في التراث الثقافي والجمالي البسيط ككائن زخرفي أو مصدر بسيط للمتعة الجمالية الثابتة الذي يعيد إستنساخ نفسه، لا يمكن إستقبال العمل الفني على اساسيات التأمل السردي والسلبي الشاعري والممتع فقط أو الدراما المأسوية لمتاعب نفسية وإنسانية، فالعمل الفني المولود من تجربة الرؤية الكونية، يجب أن يتخلص من أوهام  الآنا الزائفة للفنان نفسه، التي ترسم معالم تشكيل محدود إبداعيا وتصويريا، بل يجب أن يحقق وظيفة عقلية وتعديل في الهياكل النفسية وينقل التجربة المعرفية والابعاد الخارقة للاستيطيقا للأخرين، وينقل المتلقي وجمهور العاشقين من مرحلة المشاهد، الى كائنا انتقاليا متحركا متجاوزا تلك الحدود، فلا عبث مع الفن في قيمته الجمالية الإنسانية  والطبيعية معا، واغناء المعرفة البشرية ثقافيا.

    اننا نفتح منهجا مثاليا للتمزق، الذي يفتتح فنا له حدود غير حاسمة في البحث عن علاقة جديدة مع العالم، تتحرر من الفئات البشرية التي تضع احكام مسبقة عن قيم الجمال وتحدد اولوية حسية ونشوة تذوق بمقاسات محددة سلفا خصوصا في أعمال الصباغة والقماش، والتخلي عن الشريعة الجميلة لصالح المادة والشكل المغروسة لقيمتها الجمالية الخام، وحلحلة الموضوع الإبداعي وتفكيكه، الذي يتلاشى قبل ابداع الفكرة نفسها، فالفن كتجربة إبداعية يمارس خارج مفاهيم الزمان والمكان، بل في عوالمه الذاتية والمفاهيمية الخاصة.

  إن لمفهوم الحدود عدة توصيفات وأنماط واشكال متعددة تنطلق من الجغرافيا مرروا بالثقافة ونمط التفكير والتمثلات التي تصبغها على الأشياء المادية والروحية والفكرية، وبالتالي اول الحدود التي يجب تكسيرها هي اختزال الفن في انتاج تمثيل تسيطر عليه قيم جمالية محددة سلفا او تهيمن عليه رؤية نظرية تابثة، لذلك يحتاج الابداع الفني للمشاركة في مواد الأرض على خلفية تجارب متعددة الحواس عبر الحركة الفكرية والمادية على حد سواء.

   يعتبر الفنان التشكيلي رشيد فاسح ان مسالة الحدود ذات أهمية كبرى من الناحية الفلسفية والمفاهيمية وبالتالي الجمالية الاستيطيقية، ويحاول إبراز أو إخفاء ذلك السمك المتغير من الخطوط الخيالية الفاصلة بين الانسان ونفسه، ثم بين الانسان والفضاء، فالإنسان والزمن، تبعا لاعتبارات عدة تاريخية ثقافية إثنية او سياسية …  الخ ، والتي تسقط بشكل رهيب كوعي مادي وتحضر في النقاش العمومي كمواجهات عنيفة بين هو والأخر.

    التجربة الفنية والابداعية الجديدة للفنان رشيد فاسح لا تتغيا عالم بلا حدود، بل يسبح في فضاءات الابداع الرحبة واللامتناهية، حيث حركة الوعي والتفكير غير محدودة، وبالتالي جد عميقة وتناولها صعب كذلك، وهي عموما تتزبق من محاولة تحويط، حيث تفر إلى مجالات أرحب تستشعر فيها الطلاقة واللامتناهي واللا محدود ضمن المحدود الذي يعيد إلقاءه على المتلقي بعنف وهدوء في آن واحد، ويضع رؤيتنا الفكرية والبصرية أمام جدارن فاصلة وحواجز العمل الفني الثابت والمتغير، ضمن هذه الأفكار الرائدة والعميقة ينمو الإبداع الفني الذي يمتح من الواقع المادي بعناصر الرؤية الجديدة والتناول المتجدد للفن الذي يسمو بالمعرفة وتسمو المعرفة به، وفق مسارات الأسلوب والتقنيات والاستعارات الرمزية أو الدلالية لمفهوم الحدود. يستقي الفنان تلك العناصر من سفر العابرين ليس بالضرورة عبور جغرافي محدد، بل عبور فقط،

    الفنان رشيد فاسح حقيقة يحملنا إلى فضاءات تفكير حول ماهية العمل التشكيلي الجاد، الذي يجد في الفن وطفرات الفن المعاصر والراهن أرضية خصبة لطرح أسئلته الجمالية والمفاهيمية وتجديدها، وأحيانا كثيرة إلى تجاوز الحدود الفنية المتفق عليها. 

    وبالتالي يجب أن يرتبط الابداع الفني بإعادة اكتشاف الوجود الفوري للعالم والانسان كوعي معا، في حركية دائمة، واستكشاف العمل الفني خارج نطاق المحدود، والانتقال من عالم أكثر وحشية وفوضى بدائية تحكمه عناصر الاستعباد البشري الجديدة، بين الاضطراب والنظام الى عالم ليس بالضرورة مثالي في مدينة فاضلة. بل عالم يتحرر من قيود الانسان المسلطة على نفسه وعلى من حوله من طبيعة خام، يجب أنسنه الحياة عبر حركة الإنسان كما تتحرك كل الفنون بلا قيود. 

” في هذا السياق المعرفي يقول نيتشه: الفنان ليس فقط خالق العمل الفني والجمالي، بل هو جمالي في وجوده الخاص، لذلك تتطلب حياة الفنان نظرة بصرية، تلغي حدود الإدراك العام وتجعلها متاحة لتوسيع الحواس بلا حدود. وبذلك يصبح العمل البلاستيكي شهادة على رحلة إلى الحياة الآخرة، وانشطار الأنا لصالح الوحي الذاتي للحياة في حد ذاته. ولكن من خلال تحويل مركز الثقل من الخليقة إلى المعرفة، وحتى من المعرفة إلى الشعور الخالص وشهادة المغامرة على حدود الذات، والتي تتخلى عن قيود التصنيع ومتطلبات تجمع مما يجعل من الممكن لتبادل العواطف؟

يجب ان يعبر الفنان والمبدع الأراضي والثقافات، من أجل فتح فضاء عالمي أكثر وضوحًا وحيوية وإلهامًا.

    التجربة التشكيلية والمفاهيمية للفنان حول الحدود حاولت استئصال داء الخطوط والحواجز وإعادة تشكيلها فنيا ليضعنا في مواجهة مباشرة معها من خلال فجوته التي يطل منها وهي الاعمال  المعروضة، المتشكلة من تكسير مقصود لحود المعرض وأساليب العرض  واستعاض عنها برسوم فحمية لمحيا انسان كناوي قادم من أفريقيا جنوب الصحراء، استوطنت موسيقاه بتلاوينها ثقافة المغرب، وعبره نسافر في صور فتوغرافية لمعاناة المهاجرين السريين وقطعهم كل تلك الحدود والحواجز وربما غرقهم كالميدوسا في عرض البحر، بينما تطل علينا لوحات صباغية كبيرة الأحجام التجريدية والمليئة برموز ثقافية قادمة من كل حدب وصوب لتلتقي في فضاء اللوحة، راسمة تقنيات متعددة في الكولاج، ولتجاوز مفهوم الحدود استبدل الفنان الاحجام المتوسطة والصغيرة بأحجام كبيرة مانحا لجسده حرية أكبر للتحرك في فضاء اللوحة يمينا وشمالا فوقا وتحتا، كما حاول جلب العالم الى طاولة اللوحة والعمل الفني المتكون من الرموز والآثار والعلامات الطبيعية والخامات المهجورة، عن طريق الكولاج وأرشفة أجزاء من الاجسام المادية لمخلفات العابرين،  ليسوا بالتحديد مهاجرين سريين او قانونيين، بل كل عابر ومار، في إحالة رمزية على الزمان، كما استعان الفنان بمواد و خلائط غبار ومواد لاصقة لتثبيت الطبيعة في إحالة الى الجغرافيا بعناصر طبيعية، باتجاهاتها رغم رغبته المحلة في تجاوز حدود المتاريس والحواجز التي اغلقها في وجه المتلقي بشكل عنيف ومدمر، محيلا على ضرورة التنقل الى الضفة الأخرى فكريا وماديا، ليس بالضرورة ضفة اكثر تطورا، ولان الفن ممارسة كونية، كما أستحضر عبر النحت المعاصر والانستاليشن (فن المنشآت) أدوات قنص بشرية قديمة دخلت طي النسيان، ليذكرنا بأن إستغلال الإنسان لايزال، فقط انما استبدل القناع ليلبس ثوبا جديد متنكرا في صيغ حديثة، واحتلت فضاء ودروب المعرض كذلك منشآت قيود بشرية وأدوات موسيقى كناوة (القراقب ) لتذكرنا بماضي أسود بشري للاستغلال ( الرق التاريخي ) وإيقاعاته المؤلمة في المعرض بلا أصوات فقط من خلال النحت والصور ليعرج على ورش كبير ينتظر الإنسانية هو التخلص من نظرتها الدونية للأخر من خلال اللون أو اللغة أو الدين أو الثقافة، دون أن ينسى الفنان رشيد أن يلبس هو كذلك  القناع الافريقي لقبيلة افريقية وثوب برموز والوان افريقيا، ليذكر المتلقي والزائر المغربي بانه افريقي الأرض والثقافة.

العمل الفني بالنسبة لرشيد لم يعد بالضرورة تعبيرا عن وجهة نظر شخصية من الناحية الجمالية، حيت لا يجب أن يبقى الفنان بلا حراك أمام عالم متحرك طبيعيا وبشريا، بل يجب على الفنان أن يتجاوز حركة العالم ليعيد انتاج تصورات جديدة حول هذا العالم او تشويهه، دون الخضوع للتعبيرات المبتذلة الإسقاطية واستيعابها الذاتي، اذن هو فن جديد من الادراك والشعور بعيدا عن تضييق الروابط مع الذات ومع الخارج، حيث يجب كسر حدود التفكير والمادة لبناء أسس منفتحة تليق بالإنسان الحديث والمعاصر. 

يجب النطر لحدودنا لنكتشف ونسلط المزيد من الضوء على قضايا عبورنا البصري في بعده الجمالي والذوق المتجدد والفكري والثقافي. حقيقة نحن حقيقة امام تصور رائد لممارسة إبداعية مغربية تكسر مفهوم الحدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.